سمية أحماري أم وكاتبة

بعد أن تحدثت في الفصل الأول عن الصدمة والقبول، وفي الفصل الثاني عن الأم التي يجب أن تجمع شتاتها قبل أن تقود هذه الرحلة، أريد اليوم أن أقترب أكثر من ماهر.

من عالمه هو .

 الفصل (3):

حين بدأت أحاول أن أتعلم لغة ماهر:

ولو سألتموني عن أصعب مرحلة مررت بها معه، فلن أقول لكم يوم التشخيص، رغم قسوته، ولن أقول سنوات التدريب الطويلة.

سأقول: أصعب مرحلة كانت تلك التي كنت أقف فيها أمام ابني، أراه يبكي ويصرخ ويدخل في نوبات غضب شديدة، ولا أعرف ماذا يريد أن يقول لي.

كنت أريد شيئًا واحدًا فقط:

أن أجد طريقًا أصل به إليه.

في سنواته الأولى، كنت أظن أن أكبر مشكلتنا هي أن ماهر لا يتكلم. ومع الوقت اكتشفت أن المشكلة بالنسبة لي لم تكن غياب الكلمات فقط، بل أنني لم أكن قد تعلمت بعد لغته.

كنت أنظر إليه أثناء نوبة الغضب وأحاول أن أخمّن:

هل تريد أن تستحم؟

هل تريد الكاكاو؟

هل تريد سياراتك؟

كنت أقدم له ما أعرف أنه يحبه، ليس لأنني أردت أن أستجيب لكل نوبة غضب، وإنما لأن هدفي الأول آنذاك كان أن أجعله يشعر بشيء واحد:

أمي تحاول أن تفهمني، 

في البداية لم أر  أي نتيجة تقريبًا. 

كنت أكلمه وأعرض عليه الأشياء، وفي بعض اللحظات أشعر أنه غارق تمامًا في غضبه، وكأن صوتي لا يصل إليه.

لكنني استمررت.

يومًا بعد يوم.

حتى بدأت ألاحظ تغيرًا صغيرًا.

بدأ ينظر إليّ.

بدأ يستجيب لبعض اقتراحاتي.

وبدأ، شيئًا فشيئًا، يفهم أن بيننا قناة تواصل يمكنه استخدامها.

وهنا فقط استطعت الانتقال إلى المرحلة التالية.

لم أعد أريد أن تكون نوبة الغضب هي الطريقة الوحيدة التي يقول بها ماهر: «أريد».

فبدأت أطلب منه محاولة بسيطة قبل أن أعطيه ما يريد: أن يشير، أن يأخذ بيدي، أن يقودني إلى الشيء، أن يريني بطريقته.

لم أكن أطلب منه الكلام.

كنت أطلب منه التواصل.

وهنا تعلمت درسًا ظل معي إلى اليوم:

قبل أن نحاول تغيير طريقة تعبير الطفل عن مشاعره، علينا أولًا أن نجعله يشعر أن مشاعره وصلت إلينا.

نطمئنه أولًا.

نحاول فهمه.

نتفهم غضبه وارتباكه وعجزه عن إيصال ما يريد.

ثم، عندما يشعر بالأمان، نبدأ بتعليمه طريقة أخرى للتعبير.

لم أكن أريد أن أقول لماهر: لا تغضب.

كنت أريد أن أقول له:

أنا أفهم أنك غاضب، لكن دعنا نجد معًا طريقة أخرى تخبرني بها بما تريد.

واليوم، عندما أنظر إلى الخلف، أفهم أن أول لغة جمعتني بماهر لم تكن الكلمات.

كانت الثقة، الحب والأمان 

كان عليه أولًا أن يصدق أنني أحاول فهمه، وكان عليّ أن أتعلم أن أسمعه حتى عندما لم يكن يستطيع الكلام.

ومن تلك النقطة بدأ الكثير يتغير.

لذلك، إن كنت أمًا في بداية هذه الرحلة، فلا تجعلي أول سؤالك دائمًا:

متى سيتكلم طفلي؟

اسألي أحيانًا:

كيف يتواصل معي طفلي اليوم؟ وكيف أستطيع أن أفتح له بابًا أوسع للتعبير؟

فالكلمة ليست بداية التواصل دائمًا.

أحيانًا، تسبقها نظرة، وإشارة، ويد تمسك بيدك، وأمان طويل نبنيه معًا.

وقبل أن يسمع العالم صوت أطفالنا، ربما يكون واجبنا الأول أن نتعلم نحن كيف نسمعهم.

ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة