سمية أحماري أم وكاتبة

عندما أُسأل عن الطريقة التي تعاملتُ بها مع ابني ماهر، المصاب باضطراب التوحّد، أجد صعوبة في الإجابة، لأن هذا السؤال يحتاج إلى جواب عميق.

فليس هناك طريقة معيّنة، ولا دواء محدّد، ولا حتى وقت ثابت.

والحقيقة أن الجواب هو: إنها رحلة.

 

رحلة تبدأ من تصوّر الأم قبل الامتحان، وبعد أن تستقبل الأمانة التي أودعها الله عندها، وتمرّ بعدم استعجالها للوصول إلى النتائج المرجوّة.

فأنا أمّ مثلكن، اخترت أن أنشر رسالتي وأكتب لكن من قلبي، ومن واقع التجربة بكل ما فيها مع ابني، بنجاحاتي وإخفاقاتي، وفشلي أحيانًا، ونهوضي من جديد، وكل ما اكتشفته خلال هذه الرحلة.

 

بدايةً، وبالتأكيد، كنا جميعًا لا نعلم شيئًا عن التوحّد، ولم نتوقّع ذلك حتى سمعنا الخبر من مختص.

هنا تكون الصدمة واحدة عند كل الأمهات، لكن ردود الأفعال تختلف كثيرًا.

 

المهم، هناك طريقان واضحان جدًا:

 

إمّا أن تدخل الأم والابن مربّع الأبطال، فتكون هي من يقرّر ويترأس هذا الامتحان.

ومن تسلك هذا الطريق، وبطريقة لا شعورية، ترى نفسها وابنها كبيرين جدًا، وترى التوحّد أمامهما صغيرًا، تتأمّله من كل الجوانب.

تحاول بشتى الطرق، وبإيمان راسخ، ومع الصبر، أن تتعلّم كيف تتعامل معه، وكيف تطوّر حياة ومهارات ابنها من خلال خبرتها وتجربتها.

 

أو تختار الطريق الآخر، فتدخل مربّع الضحية والضعف والشكوى، وتختار – دون وعي – أن يكون حجمها وحجم طفلها صغيرًا جدًا، وأمامهما شبح كبير اسمه التوحّد، يحجب عنهما الرؤية، ويبني جدارًا من اليأس والإحباط والسواد.

ونتيجة هذا الطريق: أمّ مستنزفة، محبطة، شاحبة، مكتئبة، وطفل في تراجع دائم، تتضاعف أعراضه، وتكثر الانتكاسات والمشاكل التي لا تُعدّ ولا تُحصى.

 

دعونا نتحدث بصدق وأمانة:

الطريق ليس سهلًا، وما يزيده عتمة أن بدايته صدمة كبيرة، والرحلة مجهولة تمامًا.

لكن حين نأخذ الهدف كاملًا دفعة واحدة نشعر بالإحباط والتعب، لذلك علينا تقسيمه إلى خطوات بسيطة قدر المستطاع.

 

فمثلًا، الطفل الذي نلاحظ عنده غضبًا مفرطًا، نبدأ بمحاولة فهمه وفهم أسباب غضبه.

فكما لا يخفى علينا، التوحّد يتمثّل في حساسية مرتفعة ومشاعر مضاعفة؛

حساسية تجاه الأصوات، ذاكرة بصرية قوية، حساسية في الفم تجاه المضغ مما يسبّب انتقائية شديدة في الطعام، وكذلك حساسية في الأقدام واللمس.

 

لذلك، ما إن تشعر الأم بمثل هذه الأعراض، فلتعمل على خطوة واحدة فقط.

خطوة بعد خطوة، حتى تبني مع طفلها مشاعر الأمان، وتقترب منه، إلى أن تستطيع الدخول إلى عالمه.

مفتاح العقل هو المشاعر:

مشاعر جيدة = سهولة التدخّل.

 

بعد ذلك، تبدأ الأم باكتشاف الجانب المشرق في التوحّد، وتبدأ بمساعدة طفلها على إظهار أجمل ما فيه وأفضل نسخة من نفسه.

هذا يحتاج صبرًا كبيرًا، ومداومة، وتقبّلًا أعمق.

فالنتائج لا تظهر إلا عندما نقبلهم أولًا كما هم، ونتدخّل لدعمهم، لا لتغييرهم بالقوة؛ لأنهم حين يشعرون بالرفض ينتكسون ويتراجعون.

 

ومن أهم الأمور أيضًا: ألا ترفع الأم سقف توقّعاتها ومعاييرها كثيرًا.

عليها أن تعمل بأريحية واطمئنان، وتترك النتيجة بيد الله، وحتمًا ستظهر.

 

والآن أشارككنّ الرسالة التي كتبتها يوم قدّم لي الأطباء التقرير بأن ابني مصاب بالتوحّد:

 

22 / 12 / 2015

 

(سيأتي يوم يثبت فيه ماهر براعته ومهارته، فأنا أؤمن بذلك، لأن ثقتي بربي لا حدود لها، وثقتي بابني ماهر كذلك.

سأثبت للمجتمع أنك متميّز يا ماهر، أعدك بذلك يا حبيبي.

وسأكون لك أمًّا فخورة بك، وسأجعلك تفخر بأمك.

وعدٌ مني يا بني، لأني أعلم أن ربي ميّزني ورزقني بابن مثلك يا ماهر.

سأبقى دائمة البحث في هذا الاضطراب، حتى أُخرجك من عالمك المجهول.

سأعلّمك، وأدرّبك، وأسهر معك، حتى تعلم أنك محظوظ، وأنا كذلك.

سأجعل من يراك مختلفًا يغار منك لما أنت عليه.

أنا أثق بقدراتك، وأعلم أنك تشعر بي كثيرًا ولا تعرف كيف تعبّر عن ذلك، لكنني أفهمك من نظرات عينيك البريئتين.

ماهر، ستكبر يومًا وتقرأ هذا المقال، وأنت رجل ليس ككل الرجال…

رجل مصنوع من طموح أمّه).

 

في النهاية، أقول لكل أم تمسك هذا الطريق بيد مرتجفة وقلب خائف:

لا تبحثي عن نسخة أخرى من طفلك، ولا تقارنيه بأحد، ولا تستعجلي النتائج.

اصنعي معه علاقة أمان، كوني مرآته الآمنة، واتركيه يشعر أن عالمه مقبول ومُحتضَن.

 

التوحّد ليس نهاية الحكاية، بل بداية قصة مختلفة، تحتاج صبرًا، وحبًا، وإيمانًا طويل النفس.

أطفالنا لا يحتاجون أن نُصلحهم، بل أن نؤمن بهم.

وعندما نؤمن… تحدث المعجزات الصغيرة، واحدة تلو الأخرى.

 

ماهر اليوم دليل حيّ على ذلك.

طريقه ليس شائعًا، لكنه حقيقي، ومضيء، ويخصّه وحده.

وأنا، كأم، ما زلت أتعلم منه كل يوم معنى القوة، ومعنى الأمل

 

رسالتي لكل أم:

لا تجعلي الكلام معيار النجاح، ولا السرعة مقياس التقدم.

لكل طفل لغته، ولكل رحلة توقيتها، والأجمل دائمًا هو الوصول بسلام… لا بسرعة.

ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة