حنان الأغا

في طريق رحلتك الطويل لبناء الإنسان، قد تتعثّر فيه أو تتعسّر، لكنك تنهض من جديد وتستمر. تشق طريقك متأرجحًا بين القلب والعقل.

 ولكن احذر؛ ففي هذا الطريق قد تقع في أخطاء تربوية -دون قصد: جهلاً منا أو نسياناً-، هذه الأخطاء تشبه الألغام الخفية. تُزرع في قلوب الأبناء فيزيد خطر انفجارها على مر السنين.

هذ الألغام قد تتكون من خلال كلمة عابرة أو فكرة سائدة أو عادة متكررة دون وعي منا أو انتباه. ما تلبث أن يدوس الأهل عليها فتنفجر دون قدرة على السيطرة على الأمور. فتُسبب هذه الأخطاء شروخا عميقة في الوجدان. وتظهر على شكل اضطرابات نفسية وسلوكية أو ضعف في الثقة وتشوه في الهوية.

اللغم الأول (خطر التسلط والسيطرة المفرطة):

تظهر رؤوس هذا اللغم في حقل التعاملات الوالدية الخاطئة، حينما يفرض الوالدين سيطرتهم على الأبناء في كل أمورهم بسلطةٍ قهريةٍ تمنعهم من المشاركة برأيهم، أو التعبير عن مشاعرهم وحقهم. أو حتى عندما يزيد الأهل في سقف توقعاتهم العالية وأحلامهم، ثم يفرضونها على أبنائهم، مثل تخصص دراسيّ أو حتى عريس مستقبليّ. يولّد هذا الضغط كبتًا عاطفيًا، وغضبًا داخليًا، يضطرب حاله إلى أن ينفجر الطفل فاقدًا لأمانه وثقته، مفتقدًا نفسه وصوته، ناقماً على والديه ومتضجرًا من الحياة. وقد يدفعه للقلق المفرط الذي يؤثر على قدرته على اتخاذ القرار، ونفوره في علاقته مع والديه.

 

وعلى جانب النقيض الآخر يظهر اللغم الثاني (الإهمال وغياب الاحتواء):

 فتيل الإهمال هذا يسارع في الاشتعال.. يعيش الطفل وحيدا مهملاً، يكسب حريةً واهمة. تغيب فيها الحدود وتنكسر فيها القيود، فلا يعرف الطفل أين يذهب وكيف يعود. يعيش متخبطاً بين رغباته وشهواته، لا يجد من يوجّهه أو يعاونه. فيقع في دوامات من القلق والاكتئاب والعزلة، والغضب والعناد. فينطفئ نوره وتضيع هويته.

 

أما اللغم الثالث (الدلال المفرط):

يأتي بصورة جذَابة، يتنكر بزي الرفاهية والانبساط، تظن أنه ماء عذب لكن حقيقته سراب مخيّب. يعيش فيه الطفل مدللاً، طلباته مجابة دائمًا، لا يعرف للوقت انتظارًا ولا للمسؤولية دارًا. شعاره دوماً: "هل من مزيد؟ فأنا أريد". لا يحترم كبيرًا ولا يرحم صغيرًا.

يصاب بالغرور والعمى، يرى أنه المستحق الأول في كل شيء، ضارباً بالآخرين عرض الحائط، ومع الوقت تبدأ المشاكل السلوكية والصعوبات الأكاديمية بالظهور. فيُفسد الدلال صدق فطرته وخصائص طبيعته. فيصبح كسولاً، أنانيًا، يفتقد مهارات عمره وقدرات عصره.

كيف نبطل هذه الألغام ونتخلص من خطرها؟

 كي نلغي مفعول الألغام من طريقنا ونسير نحو طريق آمن مع أبنائنا، علينا أن نتفقّه في أصل التنشئة ونغوص في أعماقها، من خلال القراءة والاستشارة والاستخارة، فنحقق بذلك التوزان الصحي المطلوب لتربية أبنائنا من خلال الخطوات التالية:

أولاً: علينا أن نزيد الوعي بالاحتياجات النفسية لكل مرحلة عمرية ولكل جنس ذكرًا أو أنثى.

ثانيًا: التعرف على أنماط التربية الوالدية الخاطئة والحذر من الوقوع في حقل ألغامها.

ثالثًا: بناء جسور الحب والتواصل والرحمة مع الأبناء في معرفة دواخلهم ودراسة نفسياتهم وطبائعهم والتدخل السريع عند رؤية ما يثير مواطن الريبة والقلق في تعامله مع الوالدين أو الآخرين أو مع ما حوله.

رابعاً: الوجود الحقيقي مع الأبناء، تواجد بروحك وجسدك، وأعطِ جودة وقتك، قسّم وقتك باعتدال وانتظام، وانشر بين أبنائك العدل والمحبة والسلام.

وختاماً..

إن التربية مسؤولية عظيمة، تتطلب مجاهدة واصطبارًا، وسيرًا صحيحاً على المسار، لا يميل يمنة ولا يسارًا.

ولنتذكر قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى). لنصل بذلك إلى توازن يُثمر إنسانًا سويًا قادرًا على مواجهة الحياة بكل ثقة ووعي.

ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة