منى عبدالفتاح

يقال في العامية المصرية: «ابن أمه»؛ وهو توصيف يطلق على الابن أو الرجل الذي يتعلق بأمه بشكل مرضي، ويعتمد اعتماداً كلياً عليها في تدبير شؤون حياته، ويأتمر بأمرها وينتهي بنواهيها، حتى بعد البلوغ والزواج، لكن اليوم نشهد نمطاً جديداً من شخصيات الأبناء وهو «ابن الهاتف».

حينما طالبت أحد تلامذتي برصد معدل التشغيل اليومي على هاتفه الذكي، أخبرني أنه بلغ 9 ساعات، من بينها 4 ساعات للاستذكار، و5 ساعات لتصفح وسائل التواصل ومقاطع الفيديو على «تيك توك» و«ريلز» و«يوتيوب».

تفيد بيانات صادرة مطلع العام 2022م بأن الناس يقضون حوالي 4.8 ساعات يومياً في تصفُّح هواتفهم المحمولة، سواء لأغراض العمل أو الترفيه أو التواصل، وفق تقرير نشرته شركة «آب آني» الأمريكية لمراقبة التطبيقات.

هذه الإحصاءات اعتمدت على قياس معدل التشغيل في عدة دول، هي: الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك، وتركيا، والهند، واليابان، وسنغافورة، بينما تجاوز مواطنو دول أخرى هي كوريا الجنوبية، وإندونيسيا، والبرازيل، معدل 5 ساعات، في تصفح هواتفهم يومياً.

من المرجح ارتفاع تلك المعدلات في دول أخرى، خاصة مع انتشار هواتف شبكات الجيل الخامس، بسرعات فائقة، وكاميرات دقيقة، ومعالجات ذكاء اصطناعي متقدمة.

سلب الإرادة

أبناء الهاتف مسلوبو الإرادة، وقد صاروا أسرى لهواتف جوالة، لا تستغرق جل وقتهم فحسب، بل تفتن قلوبهم، وتحتل عقولهم، وتسيطر على ذواتهم وأجسامهم عن بُعد!

صار الابن يتأفف حينما تنادي عليه أمه لأمر ما، ويتململ إذا طالبه والده بترك هاتفه للاستذكار وطلب العلم، ومنهم -إلا من رحم ربي- من جعلوا أصابعهم في آذانهم بـ«سماعات إلكترونية» لئلا يسمعوا منادي الصلاة!

نحو 619 شخصاً جرى إخضاعهم لتجربة علمية، أجرتها جامعة «الرور بوخوم» الألمانية، بعد تقسيمهم إلى 3 مجموعات؛ الأولى ضمت 200 شخص تركوا هواتفهم الذكية لمدة أسبوع، والثانية ضمت 226 شخصاً قللوا من استخدام الهاتف بمقدار ساعة واحدة يومياً، بينما لم تغير المجموعة الثالثة وعددها 193 شخصاً أي شيء في سلوكياتها.

النتائج النهائية للتجربة الألمانية خلصت إلى أن التخلي تماماً عن الهاتف الذكي وتقليل استخدامه اليومي لمدة ساعة واحدة، كان لهما آثار إيجابية على نمط حياة ورفاهية المشاركين، فضلاً عن ارتفاع معدل الرضا عن الحياة والوقت الذي يقضيه المرء في ممارسة النشاط البدني، بينما انخفضت أعراض الاكتئاب والقلق، بحسب صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.

في المقابل، ثبت علمياً ارتباط الاستخدام المكثف للهواتف الذكية بالإصابة بالسمنة، وآلام الرقبة، وارتفاع ضغط الدم، وضعف البصر، واضطراب النوم، وقلة التركيز، وتراجع الأداء، وصولاً إلى الدخول في حالة إدمانية، قد تقود إلى العزلة والاكتئاب؛ ما يشير إلى أن الإفراط في استخدام الهواتف قد يؤدي إلى نتائج مشابهة لتلك التي تحدث في حالات الإدمان.

مواجهة تربوية

نحن أمام معضلة تربوية، ومواجهة صعبة، ومعركة حامية الوطيس بين الأبوين من جهة، والأبناء من جهة أخرى، حول استخدامات الهاتف، والمدى الزمني، وكيفية التعافي من إدمانه، والحد من تأثيره.

المواجهة إذن غير متكافئة بالمرة، أمام جهاز صغير يتمتع بمقومات إغراء عديدة، ويجعلك بلمسة واحدة على صلة مع العالم، وعلى اطلاع بكل ما هو جديد ومثير، وقد يأسر أبناءك في إحدى غرف الدردشة، أو داخل ساحة الألعاب الإلكترونية، أو في مستنقع المقاطع الإباحية.

لا توجد بيانات دقيقة حول معدل تفقد الهواتف بين المراهقين والشباب في البلدان العربية، لكن دراسات حديثة أظهرت أن نظراءهم من الأمريكيين البالغين يتفقدون هواتفهم 96 مرة يومياً؛ أي بمعدل مرة كل عشر دقائق تقريباً، بحسب شركة «Asurion» العالمية المختصة بخدمات التكنولوجيا.

ما الحل إذن؟

البداية من تعزيز الوعي أولاً لدى طفلك بأنه قد يقع أسيراً لآلة، وأن جهازاً صغيراً يجب ألا يتحكم في حياته، وأنه هو من يقود ويوظف التكنولوجيا، لا أن تسلب إرادته، وتوجه سلوكه وأفعاله.

ينصح المختصون والتربويون بتأجيل سن تلقي الهاتف قدر الإمكان، إلى عمر 14 عاماً، بالتوازي مع إجراء حوار ناضج مع الابن أو الابنة، وإطْلاعهم على الأخطار المنتظرة، وكيفية تجنبها، كذلك تحديد أوقات استخدام الهواتف، واستخدام تطبيقات الرقابة والحماية والأمان الرقمي.

تؤكد تجربتي من واقع العمل التربوي والتعليمي أن الفراغ بيئة مناسبة وخصبة لظهور «أبناء الهاتف»، الأمر الذي يتطلب إبداعاً في إيجاد محاضن تربوية ونوعية للأبناء، وتوفير بدائل نافعة وممتعة، وخلق أنشطة ترفيهية وتفاعلية تحرر الأبناء من الأسر الإلكتروني.

في هذا الصدد، من الخطأ الفادح حرمان الطفل من اللعب، أو معاقبته بعدم لعب كرة القدم مثلاً، أو المشاركة في بطولة رياضية، أو تجنبيه ألعاب القوى بدعوى الخوف عليه، بل الصواب انتزاعه من إدمان الهاتف إلى آفاق الرياضة واللعب والحركة والتفاعل الإنساني المباشر.

المواجهة الحاسمة تقتضي من الوالدين مصاحبة الأبناء واللعب معهم، والسفر والتنزه برفقتهم، واصطحابهم إلى الصلاة في جماعة، ومشاركتهم حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وتشجيعهم على تعلم مهارات جديدة، وتعزيز صلاتهم الاجتماعية، وحثهم على الانخراط في أنشطة تطوعية وخيرية، والعمل ولو في مهن بسيطة خلال الإجازة الصيفية.

الجعبة ملأى بمقترحات نوعية، منها كتابة مذكرات يومية، وتعلم لغة جديدة، وتلقي ورشة عمل في تخصص ما، والمشاركة في مسابقة ثقافية، وزراعة حديقة، وتعلم الإسعافات الأولية، وزيارة المتاحف، وتربية الحيوانات الأليفة، وإعادة تدوير النفايات، ومشاهدة عمل وثائقي، والاستماع إلى بودكاست أو كتاب صوتي، وعمل صدقة جارية، وبدء مشروع صغير، وغير ذلك من أفكار إبداعية تصنع طوق نجاة لـ«أبناء الهاتف».


ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة