في زمنٍ تتسارع فيه البرامج، وتزدحم فيه الخطط،
وتُقاس فيه المخرجات بالأرقام والمؤشرات؛ تشتدّ حاجةُ المحاضن التربوية إلى ما هو
أعمق من المهارة، وأبقى من الشهادة: البناء الوعظي والإيماني، فالمتربّي
ليس ملفًا تدريبيًا يُنجَز، ولا مشروعًا معرفيًا يُستكمَل، بل قلبٌ يُصاغ، وروحٌ
تُهذَّب، ونيةٌ تُزكّى. وإذا غاب الوعظ؛ خفتت جذوة الإيمان، وجفّت ينابيع الخشوع،
وصارت التربية جسدًا بلا روح.
الوعظ… إعادة
توجيه البوصلة إلى الداخل
الوعظ في جوهره ليس خطاب تخويفٍ عابر، ولا لحظة
تأثرٍ مؤقتة؛ بل هو إحياءُ القلب، وردّه إلى ربه تبارك وتعالى، وتذكيره
بحقيقته ومصيره. أخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي ﷺ قال: استبطأ
الله تعالى قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة من نزول القرآن، فأنزل سبحانه: ﴿أَلَمْ
يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الحديد: 16، الآية
تخاطب المؤمنين، لا الغافلين. وكأنها تقول: الإيمان يزيد وينقص، ويحتاج إلى تجديدٍ
دائم. هنا تتجلّى وظيفة المحضن التربوي: أن يصنع بيئةً تُذكِّر، وتُرقِّق، وتُعيد
ترتيب الأولويات، حتى لا يصدأ القلب تحت ركام الانشغال.
والقرآن الكريم حين وصف أهل الخشوع قال: ﴿وَيَخِرُّونَ
لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: 109، البكاء هنا ليس ضعفًا، بل حياة.
والزيادة في الخشوع ثمرةُ تكرار التذكير. فإذا كانت المحاضن تُحسن صناعة المهارات،
فهي أولى أن تُحسن صناعة هذه الزيادة من الخشوع والسكينة.
منهج النبي ﷺ…
وعظٌ يصنع الرجال
لم يكن الوعظ في حياة النبي ﷺ فقرةً موسمية،
بل كان جزءًا من بنائه للجيل الأول. يقول جندب بن عبد الله رضي الله عنه: كنَّا معَ النَّبيِّ صلَّى
اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ونحنُ فتيانٌ حزاورةٌ فتعلَّمنا الإيمانَ قبلَ أن نتعلَّمَ
القرآنَ، ثمَّ تعلَّمنا القرآنَ؛ فازددنا بِه إيمانًا، رواه ابن ماجه، والمقصود أن
تأسيس المعاني الإيمانية كان سابقًا ومصاحبًا لتلقّي النصوص، حتى لا تتحوّل الآيات
إلى معلومات، تسرد وتتكرر، بل تبقى وقودًا للسير. وكان ﷺ يتخوَّل أصحابه بالموعظة بين الفينة
والأخرى، حتى يبقى الزاد الإيماني متقدًا، يعظهم موعظةً تهزّ القلوب، وربَّما أشعل
بوعظه الحرارة التي تبقى معها ذكريات الوعظ حاضرة في نفوس الصحابة، يقول العرباض
بن سارية رضي الله عنه: وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً وجلت منها القلوب، وذرفت منها
العيون. هذا هو الوعظ المؤثّر:
وجَلٌ في الداخل، ودمعةٌ على الخدّ، وعزمٌ يتجدّد في القرار. هذا التعاهد يعطي
رسالة للمربين والعاملين على إصلاح الناس مفادها ألا يستهان بأثر الخطاب الوعظي في
إصلاح النفوس، وتقويمها في سيرها إلى الله تعالى.
ولقد كان بكاؤه ﷺ مدرسةً عملية في التربية على
الوعظ والإيمان، قالَ ابن مسعود رضي الله عنه: قال لي النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ:
فإنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيرِي، فَقَرَأْتُ عليه سُورَةَ النِّسَاءِ،
حتَّى بَلَغْتُ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]، قالَ:
أمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. رواه البخاري، ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يحفرون
قبرا لدفن أحد المسلمين وقف على القبر وبكى ثم قال: "أي إخواني، لمثل هذا
فأعدوا"، وهذا عبد اللَّه بنِ الشِّخِّير - رضي اللَّه عنه – فيقول: أَتَيْتُ
رسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَهُو يُصلِّي، ولجوْفِهِ أَزِيزٌ
كَأَزِيزِ المرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ، وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
زار النبي قبر أمه فبكى، وأبكى من حوله..."، وقام ليلة يصلي فمازال يبكي، حتى
بل حِجرهُ! قالت عائشة: وكان جالساً فلم يزل يبكي صلى الله عليه وسلم حتى بل
لحيته! قالت: ثم بكى حتى بل الأرض! فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال:
يا رسول الله تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: "أفلا
أكون عبداً شكورا؟! لقد أنزلت عليَّ الليلة آية، ويل لم قرأها ولم يتفكر فيها!
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ …) الآية.
إنَّها مشاهد عملية تختصر كثيرًا من دروس
التربية، والتلقين، وتقيم في قلب مَن شاهدها منارات الإخبات لله رب العالمين، كم
نحن بحاجة إلى أن تعود مثل هذه التربية ليتعزَّز لدى الجيل أنَّ الخشوع قيمة، لا
حالة عابرة.
الصحابة… قلوبٌ
حيّة بين يدي الوحي
كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يعيشون
لحظات الوعظ بصدقٍ عجيب. حضورٌ كامل، وإنصاتٌ صادق، وتفاعلٌ عميق. ولم يكن ذلك
مبالغةً عاطفية، بل وعيًا بمقام التلقي. وهي حالةٌ تكاد تكون جماعيةً في جيل الصحابة رضي
الله عنهم أن نراهم قد تعلموا رضي الله عنهم من نبيهم صلى الله عليه وسلم الخشوع،
والإخبات والبكاء، عن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم
خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: "لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم
كثيراً "، فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين، وفي
رواية: بلغَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء فخطب فقال: "عرضت
عليَّ الجنة والنار، فلم أر كاليوم من الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم
قليلا، ولبكيتم كثيراً"، فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومٌ
أشدّ منه، غطوا رؤوسهم، ولهم خنين". والخنين: هو البكاء مع غنّة.
أما الحالات الفردية لأعيان الصحابة وأفرادهم
فأكثر من أن تحصى في مثل هذه المقالة، عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر؛ بكى
حتى يبل لحيته! فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟! فقال إن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا
منه؛ فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه؛ فما بعده أشد منه! قال: وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت منظراً قط، إلاّ القبر أفظع منه!"، وبكى
أبو هريرة رضي الله عنه في مرضه. فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: " أما إني لا
أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بُعد سفري، وقلة زادي، وإني أمسيت في صعود على
جنة أو نار، لا أدري إلى أيتهما يؤخذ بي!! ".
ولما مرض النبي ﷺ قال: "مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس"، فقالوا: إنه رجلٌ
بكّاء، إذا قرأ غلبه البكاء، والبكاء هنا شهادةُ قلبٍ حاضرٍ، لا ضعف شخصية. وعمر
رضي الله عنه – وهو القويّ الشديد – يُسمَع نشيجه في الصلاة. وحين زار أبا عبيدة
في الشام ورأى زهده، بكى، فقال له أخبرتك: وهل تريد إلا أن تعصر عينيك يا أمير المؤمنين؟ إنها
قلوبٌ تذوب أمام الحقيقة، لا تتجمّل أمام الناس. هذا الجيل صاغه وعظٌ متوازن:
يذكّر بالآخرة، ويُحقّر الدنيا، ويُربّي على المراقبة.
كيف نُعيد للوعظ مكانته في المحاضن التربوية؟
الحديث عن الحاجة
لا يكفي؛ لا بد من ترجمةٍ عملية تعيد للوعظ حضوره المؤثر، ومن تلك المقترحات
للبرامج والمحاضن التربوية:
1. تخصيص
جلسات وعظية دورية عميقة: ليست محاضراتٍ
عابرة، بل مجالس ذكرٍ حقيقية، يُقرأ فيها القرآن بتدبّر، ويُستحضر فيها مشهد
الآخرة، ويُفسَح فيها المجال للصمت والتأمل.
2. ربط
البرامج بالدار الآخرة: كل نشاط تربوي
يمكن أن يُعاد تأطيره بسؤال: كيف يخدم نجاتنا؟ كيف يقرّبنا من الله تعالى؟ هذا
الربط يحوّل العمل من عادةٍ إلى عبادة، ويجعل الخطاب الوعظي الإيماني حاضرًا في
مختلف البرامج التي نطلقها ونؤسسها.
3. إحياء
قيمة البكاء من خشية الله تعالى: دون تصنّعٍ أو
ضغطٍ نفسي، بل بتهيئة بيئةٍ صادقة، يُذكَّر فيها بالجنة والنار، بلقاء الله تعالى،
وبالوقوف بين يديه، بسرد مشاهد الآخرة، وأحوال الناس يوم العرض على رب العالمين،
ومنازل الناس في الآخرة.
4. زيارات
المقابر والمستشفيات: الواقع أبلغ من
الخطب. زيارة المقابر تذكيرٌ عملي بقِصر الأمل، وقد كان النبي ﷺ يزور القبور
ويقول: «زوروا القبور فإنها تذكّركم الآخرة».
5. قدوة
المربي: إذا رأى المتربّي مربّيه خاشعًا في صلاته، حاضرًا في
ذكره، متأثرًا بالقرآن؛ تعلَّمَ بلا كلمات. أما إن كان الوعظ خطبةً بلا حال، فلن
يصنع أثرًا.
6. التوازن
بين الترغيب والترهيب: الوعظ النبوي جمع
بين الرجاء والخوف، بين الحديث عن رحمة الله تعالى وعقابه، حتى لا ينحرف القلب إلى
اليأس أو الغرور.
أيها
المربون: الوعظ… صمّام أمان في زمن الفتن
نعيش زمنًا تتنازع فيه القلوب شهواتٌ وشبهات.
والمحضن التربوي الذي يكتفي بالمهارات دون تحصينٍ إيماني، يسلّم أبناءه لعواصف لا
ترحم. إن الوعظ العميق يصنع مناعةً داخلية، تجعل المتربّي يراجع نفسه قبل أن
ينجرف، ويتذكّر الله تعالى قبل أن يخطئ.
ليس المطلوب تحويل المحاضن إلى ساحات بكاءٍ
دائم، ولا اختزال التربية في لحظات تأثر؛ بل المطلوب أن يبقى القلب في دائرة
اليقظة. أن يسمع المتربّي بين حينٍ وآخر نداء: ﴿أَلَمْ يَأْنِ…﴾، وكأنها رسالة شخصية مفادها: آن لقلبك أن يخشع، آن
لدمعتك أن تنزل، آن لعلاقتك بالله تعالى أن تتجدّد.
ختامًا: إن صناعة الإنسان تبدأ من الداخل. والوعظ ليس ترفًا
تربويًا، بل هو روح المشروع كلّه. به تُزكّى النيات، وتُستقام السلوكيات، وتُثمر
البرامج، لقد صنع النبي ﷺ جيلًا ربانيًا بكلمةٍ صادقة، ودمعةٍ خاشعة، ومجلسٍ
يُذكّر بالله تعالى. كانوا يعيشون بين يديه ﷺ حالةً من الحضور الكامل. ذلك الحضور
هو ما تحتاجه محاضننا اليوم.
فلنُعِد للوعظ
مكانته، لا كفقرةٍ هامشية، بل كنبضٍ دائم في جسد التربية. لأن القلوب إذا خشعت…
استقامت الجوارح، وإذا صلحت السرائر… أثمرت الظواهر. ومن هناك يبدأ كل تغييرٍ
حقيقي.
إضافة تعليق