حين وقف موسى عليه السلام بين يدي ربه لأول مرة، ناداه الحق جل جلاله بنداء يحرّك الوجدان: }فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى{، أُمر بخلع النعلين تعظيمًا للمكان، وطهارةً للقلب، وإظهارًا للخضوع بين يدي الملك سبحانه، قال ابن سعدي: أخبره أنه ربه، وأمره أن يستعد ويتهيأ لمناجاته، ويهتم لذلك، ويلقي نعليه، لأنه بالوادي المقدس المطهر المعظم. تفسير ابن سعدي، ص502، والمعنى خلع ما يشغلك عما وُجهت إليه؛ ليتهيأ قلبك لاستقبال التكليف والرسالة.

   وهذا – في جوهره – خطاب للمربين والدعاة قبل غيرهم؛ لأنَّ الدعوة مقام قداسة، والعمل مع النفوس يحتاج قلبًا منزوعًا من شوائب الدنيا، ومحفوفًا بتواضع العبد في حضرة مولاه تبارك وتعالى، ومن هنا تبرز فكرة هذه المقالة: اخلع نعليك… كلما أرادت الدنيا أن تنتعل قلبك، أشير فيها لبعض الصور التي نتواصى بها مع المربين والعاملين في سبيل الإصلاح والدعوة إلى الله تبارك وتعالى، سائلين المولى تعالى أن يولِّي وجوهنا شطره، وأن يُلزمنا أثره، ويبلغ بنا صلاح النيات والحال والمآل.

1.      اخلع نعليك… من شوائب العلاقات

في ساحة الدعوة، يختلط في قلب المربي أحيانًا ودُّ الناس بتقلباتهم، وتوقعاتُه منهم بإعراضهم، واهتمامُه بهم بفتورهم عنه. حين تضيق صدور الناس، أو يتغير صفاؤهم، أو تحضر المصالح وتغيب الأخوّة؛ اخلع نعليك. لا تَقِف عند بوابة أحدٍ تنتظر منه شكرًا أو التفاتة.

   النبي ﷺ أعرض عنه قومه، وخالفه أقرب الناس إليه، ومع ذلك مضى؛ لم يكن ينتظر من الخلق إلا ما يرضي الخالق، والمربي – مهما طال الطريق – يحتاج قلبًا حرًّا لا تُقيده العلاقات المتقلِّبة.

 

2. اخلع نعليك… من المعصية حين تُزخرف:

  المربي قد يضعف، والداعية قد يُفتن، والشيطان لا يترك أحدًا، فحين تقفز المعصية متزينة، وتطلب من خاطرك مستقرًاوحين تشعر بأنك تميل إلى ما يطفئ نور قلبك؛ قِف وقفة موسى عند الوادي المقدّس: و(اخلع نعليك)، فالذنوب تعوق الخطاب الدعوي قبل أن تعيق العمل، وتطفئ نور التأثير قبل أن تطفئ نور القلب.

3. اخلع نعليك… من كل همّ لا يقربك من الله تعالى:

  القلوب اليوم مزدحمة بالهموم: وظائف، مشاريع، علاقات، ملهيات، صراعات رأي، لكن المربي ليس كغيره؛ همه عبادة، وحزنه رسالة، وراحة قلبه في قيام المهمة لا في تركها.

  فما كان همًّا يشغلك عن الله تعالى، وما كان قلقًا يعطّل أثرَك، وما كان ثِقلاً يحجبك عن الدعوة؛ فاخلع نعليك.

4. اخلع نعليك… من ضوضاء المتابعات وملهيات الشاشات:

  القلب كالكفِّ، لا يملأه شيء إن لم يكن فيه فراغ، وكثرة المتابعة اليوم تسرق ذلك الفراغ، كم ضاعت من ساعات، وتشتتت من قلوب، وضعفت مروءة بسبب متابعة لا قيمة لها، ومحتوى لا يضيف حياة، والمربي أولى الناس أن يصون وقته، ويحفظ نظره، ويربي نفسه قبل أن يربي غيره؛ فاخلع نعليك… من متابعة تستهلك روحك بدل أن تغذيها.

5. اخلع نعليك… على عتبات الطهر والرقة والدمعة

الدعوة ليست خطابًا فقط، بل هي دمعة صادقة، وقلب مخبت، وجبين ساجد، حين تدخل على القرآن
حين تقف في محراب الليلحين تقف على أبواب الطهر؛ اخلع نعليك، ولا تدخل على ملك الدنيا بمهابتك، ثم تدخل على ملك الملوك مثقلاً بالدنيا.

6. اخلع نعليك… من العجب، الغرور، والمنزلة بين الناس

 “اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.” دعوة سيد الخلق، فكيف بالمربي حين يرى في نفسه خيرًا، أو يلمس أثرًا في طلابه، أو يسمع ثناءً من الناس؟

حين يطرق العجب بابكحين تلوح لك مكانةحين يصفّق الناس لجهدك؛ اخلع نعليك؛ لئلا تُفسِد نعمة التربية بما يفسد القلوب.

7. اخلع نعليك… عن العصبيات، الشحناء، والأحقاد:

  الداعية أوسع الناس صدرًا، وأكثرهم احتمالًا، وأبعدهم عن النزاع. كان ﷺ يقبل الاعتذار، ويُحسن الظن، ويرفع من الوئام، ويُربي على السلام.

  كلّ خصومةٍ تسرق قلبككل غضب يكسر دعوتككل شحناء تحجب نورك؛ اخلع نعليك. فالدعوة لا تُنتِجُ في قلوب ملوّثة بالأحقاد والضغائن.

8. اخلع نعليك… من ظلم أو غيبة أو حقّ لأحد:

  التربية رسالةُ عدل، لا تتفق مع ظلم، ولا تنسجم مع أذى، ومن آذى الناس؛ خفت أثره، ومن ظلم أحدًا، انطفأ نوره، فلا تشهد زورًا، ولا تشترك في أذى، ولا تجعل من الدعوة سُلّمًا لضررٍ أحد.

اخلع نعليك… قبل أن تقف بين يدي من لا تخفى عليه خافية.

 من وادي طُوى إلى واقعنا التربوي: الخلوص أساس النجاح

حين أمر الله تعالى نبيه موسى عليه السلام بخلع نعليه، لم يكن الأمر متعلقًا بالجلد الذي يلبسه، بل بتصفية القلب ليحمل الرسالة، وهكذا عمل الدعوة: كلما نقّى المربي قلبهوخفّف أثقال دنياهوسار إلى الله تعالى بلا شوائب؛ كان أثره أعمق، وخطابه أصدق، وتربيته أنفع.

  لقد كان ﷺ النموذج الأكمل في خلع النعلين: خلع الدنيا حين دُعي إلى الآخرة، وخلع الثأر يوم الفتح، وخلع الغضب يوم جاءه الأعرابي فجبذه بردائه، وخلع الانتقام حين صلى على المنافق وقيل له ما قيل.

فيا أيها المربيأنت تقوم بأشرف مهمة بعد النبوة: تربية النفوس على الهدى. ولن يبلغ القلب أثره ما لم يخلع نعليه عند أبواب تكليفه.

اخلع نعليكمن كل ما يقطعك، من كل ما يثقلك، من كل ما يحجبك، من كل ما يعطّل أثر دعوتك. وإذا خلعت نعليك… فأبشر؛ فالوادي الذي قدّسه الله تعالى لموسى عليه السلام يُفتح لك شبيهُه كلما طهُر قلبك، وصدقت نيتك، وخَلَص عملك. أفاض الله علينا فيض عطاياه، وبلغنا رضوانه.

ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة